الأربعاء، 8 ديسمبر 2021

أثر المرابطين في الفنون المعمارية

لقد كان عصر المرابطين على الفن: (من أهم الفترات التي التقى فيها المغرب بشبه الجزيرة الايبيرية، ولكنه شائك لان عهد هؤلاء المرابطين بصفة عامة من حيث علاقاتهم بالأندلس، طرح طرحا مغلوطا... ويتجلى الأمر من الأحكام المختلفة التي صدرت ضد المرابطين، تدينهم ـ لصحراويتهم وفقهيتهم ـ بعدم العناية بثقافة الأندلس وحضارتها، وترميهم بالعجز عن هضمها والعمل على تحطيم ما عرفته الأندلس في هذا المضمار من قبل... والمتأمل لهذه الأحكام لا يلبث أن ينتهي إلى أنها ناتجة عن مواقف مسبقة غير صحيحة... كمواقف صدرت معاصرة للمرابطين وقد اتخذت ضدهم وضد الفقهاء خاصة باعتبارهم طبقة حاكمة... ومثلها المواقف التي صدرت عن الذين كانوا ينعمون في قصور أمراء الطوائف... ومن إليهم من أدباء المعارضة في هذا العصر... ومواقف موحدية عبر عنها الموحدون أنفسهم بوصف المرابطين بالمجسمة والمبطلين، وكذلك الموالين لهم من المؤرخين وغيرهم كالمراكشي... ومواقف متأخرة... بدوافع وطنية... ودوافع وطنية دينية على حد ما نجده عند معظم المستشرقين الاسبان)(1)
والمرابطين قضوا على فكرة القبليات وتعدد القيادات والإنقسام الوطني وحققوا وحدة سياسية تحت لواء أسرة واحدة مركزية على نحو يلتزم به المغرب إلى اليوم، حققوا وحدة المغرب الأقصى لأول مرة، وفي نفس الوقت نجح المرابط في تحقيق وحدة العدوتين المغرب والأندلس، بل نجحوا في تحقيق وحدة المغرب العربي إلى جزائر بني مزغنة فانفتح الطريق إلى تبادل التأثيرات مع فنون وصناعات أبناء عمومتهم الصنهاجيين بأراضي بني زيري وبني حماد شرقا، كل ذلك كان بالاضافة إلى استقرار الأمن وتوفر الرفاهية وقيام العدل ونشاط وظيفة الحسبة التي شملت على عصر المرابطين القيام بمهام التعديل والاضافة اللازمة في المساجد والمباني العامة باتفاق مع أمير المسلمين على غرار ما فعل قاضي فاس سنة 529 هـ من زيادة مسجدها الجامع وكذلك زيادة القاضي عياض في جامع سبتة من جهته الغربية. 

مواقع قبائل زناتة وصنهاجة بالمغرب العربي إبان القرن الرابع الهجري
مواقع قبائل زناتة وصنهاجة بالمغرب العربي إبان القرن الرابع الهجري
وفيما يتعلق بالعمارة والفن، كان للمرابطين فضل كبير في قيام تجمعات عمرانية هامة مثل تلمسان ومراكش كما فتحوا طريق التلاقح الفني شرقا وغربا.
فمن ناحية الشرق كانت الجسور قائمة في شكل تجمعات عمرانية لنقل وتبادل التأثيرات المعمارية والفنية بين المغرب الأقصى ودول المشرق العربي عن طريق بجاية وقلعة بني حماد وأشير وجزائر بني مزغنة ومليانة والمدية وغيرها، وكانت تلك الجسور تسمح بعبور الروافد الفكرية والفنية في نطاق ما تسمح به الأوضاع السياسية. فابتداء من تفوق المرابطين الصنهاجيين السياسي والعسكري منذ فتح سجلماسة سنة 447 هـ وفتح أغمات وتملك تامسنا سنة 449 هـ وبداية حكم يوسف بن تاشفين سنة 453 وتأسيس مدينة مراكش سنة 454 هـ ودخول المرابطين الأخير والنهائي لمدينة فاس قاعدة المغرب التاريخية سنة 462 هـ، 

 

تخطيط عام لقلعة بني حماد بالمغرب الأوسط
تخطيط عام لقلعة بني حماد بالمغرب الأوسط

وإلى نهاية أيام المرابطين على يد الموحدين سنة 539 هـ، كانت العلاقات قائمة مدا وجزرا مع المغربين الأدنى والأوسط خاصة إذا ما تنبهنا إلى وجود أبناء العم الصنهاجيين بافريقية والمغرب الأوسط ووقفنا وقفة متأنية للنظر في آثارهم المعمارية والفنية كانت همزة الوصل بين الأساليب والطرز العربية بالمشرق العربي ونظيرتها بالمغرب الأقصى، الأمر الذي يدفعنا إلى إلقاء نظرة موجزة على أحوال المغربين الأدنى والأوسط.

تخطيط عام لقصور الأمراء في قلعة بني حماد
تخطيط عام لقصور الأمراء في قلعة بني حماد
كان العبيديون قد أنابوا عنهم بلقين بن زيري بجميع افريقية قبل التوجه إلى مصر سنة 361 هـ وكان والد بلقين وهو زيري بن مناد قد بني مدينة أشير جنوب الجزائر وقيسارية لما استقل بولاية الزاب سنة 324 هـ وسميت أشير زيري وقد وصفها البكري، وكان زيري قد جدد مدينة مليانة من عمل الجزائر وأسكنها ابنه بلقين وأصلها مدينة رومانية ذات آثار وصفها البكري كذلك، وكانت قبائل بني مزغنة قد استقرت بموضع مدينة الجزائر التي خربتها هجمات الوندال فبنى بلقين بن زيري بن مناد الصنهاجي مدينة دعاها جزائر بني مزغنة خضعت لهجرات القبائل العربية في القرن الخامس وعصر المرابطين كما أعاد بلقين بناء مدينة المدية جنوب غرب الجزائر وأيام باديس بن المنصور بن بلقين الصنهاجي (المكنى بأبي مناد) نهضت عليهم زناتة للحرب والمخالفة فاستغاث باديس بعمه حماد سنة 405 هـ ثم وقع الخلاف وانقسام الملك الصنهاجي إلى كرسيين : كرسي به المعز بن باديس بالمهدية وآخر به أولاد القائد حماد بقلعة بني حماد وبجاية(Bougie) وعندما خلع المعز بن باديس دعوة الشيعة الفاطميين وخطب للعباسيين وانحاز إلى مذهب الامام مالك أرسل المستنصر بالله الفاطمي عرب بني هلال وسليم في حملة تأديبية، وبهذا أيضا لم تنقطع التيارات والاتصالات والمؤثرات الفكرية والفنية بين شقي العالم الاسلامي بالمشرق والمغرب وها هو مؤرخ المملكة المغربية يقول بأن (ارتباط آل زيري الأسمى بالخلافة في المشرق أفاد التعريب كثيرا إذ استمرت الوفود تتنقل بسهولة ما بين المشرق والمغرب العربيين كما ظلت معاهد القاهرة وبغداد والحرمين الشريفين مفتوحة في وجه الطلاب المغاربة وأتيح للحضارة العربية أن ترسخ سيما بعد أن هاجر الأعراب الهلاليون إلى هذه البلاد التي طابعها العربي النهائي).

تخطيط قصر زيري بمدينة أشير
تخطيط قصر زيري بمدينة أشير
  
تخطيط طابق أسفل مستوى الأرض بالمنار
تخطيط طابق أسفل مستوى الأرض بالمنار

والمقصود هنا مراكز العمران ومحاور الأحداث السياسية والعسكر بالمغربين الأدنى والأوسط لحتمية دراسة المغرب العربي ككل متكامل وضرورة النظر في حضارة الغرب الاسلامي كواحد لا يتجزأ ثم لنستبين على ضوء ذلك كله فضل المرابطين الذين فتحوا الطريق نحو الشرق لاستلهام التأثيرات المعمارية والحضارية عبر الجسور المتتابعة على طول الشمال الافريقي إلى القاهرة ومن ورائها بغداد ودمشق ونتاج تفاعل الفنون الاسلامية المشرقية والمغربية.

أما بالنسبة إلى الأندلس، فإن لم يكن للمرابطين فضل على الحضارة الاسلامية إلا ذلك الحصاد الرصين والرقيق الأنيق في ذات الوقت، الناتج عن ضم الأندلس إلى المغرب في وحدة حقيقية سياسية وعسكرية وحضارية لأول مرة تحت حكم مركزي قوي يوقف الزحف العسكري النصراني ويطيل عمر الحضارة الأندلسية في رحاب السمو الاسلامي والتقدم المزدهر الذي عاشت عليه إسبانيا بعد زوال حكم الاسلام بها لعدة قرون، لكفى ذلك المرابطين فخرا في مجال مزج العبقريتين الاسلامية المغربية والاسلامية الأندلسية، بميراثهما اللامع. إن الحصاد الحضاري الذي - جنته مملكة الاسلام بالعدوتين المغرب والأندلس على السواء كان نتيجة جهاد المرابطين داخل القارة الأوربية ذاتها، ولا زال ذلك التراث إلى اليوم أساس جميع فنون العمارة والصناعات التقليدية بالمملكة المغربية وريثة ذلك التراث ونحن لا نبالغ إن قلنا أن الحضارة الاسبانية المعاصرة لا زالت تعيش على ذكريات ذلك التراث وتستضيء بوهج تفوقه المشرق من وراء القرون- ليلقي ضوءه على مسيرة الحضارة والفن بإسبانيا النصرانية ومن ورائها بقية القارة الأوروبية. وقد كان عصر المرابطين يمثل مرحلة انتقال في الفنون المغربية من الطراز المغربي إلى الطراز المغربي الأندلسي. فقد ترك يوسف بن تاشفين لخلفه امبراطورية هائلة بعد وفاته سنة 500 هجرية وكان اسم علي ابن يوسف عند توليه إمارة المسلمين يذكر على ألفين وثلاثمائة منبر من مساجد المغرب والأندلس، فقد امتد سلطانه من بجاية إلى السوس الأقصى، ومن تافيلالت إلى السودان، كما كان يخضع له جنوب شبه جزيرة ايبيرية بأجمعه، وعماله يمتد حكمهم إلى جزر البليار وهكذا مهد المرابطون الطريق أمام الفن المغربي الأندلسي لاستقبال تأثيرات جديدة من الخارج.

----------------------المراجع ---------------------------

(1): دكتور عباس الجراري : تطور الأندلسي في عهد المرابطين، عدد 16 مجلة المناهل الرباط ديس 1979، ديسمبر .53-39
- قبائل المغرب: ١/١٦٧-١٦٨
- ابن أبي زرع: القرطاس (جزائر بني مزغة) (2 /37 )
- ليفي بروفنسال: خواطر عن دولة المرابطين في مطلع القرن الثاني عشر
- L.Golvin: Le Maghrib Central l'époque ziride, Paris 1957
- De Beylie: Kalaa des Béni Hammades 1909 فصل 1 ص 6

0 comments

إرسال تعليق